سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده
60
رسائل في الفلسفة والعرفان
واردةواجب الوجود عالم : لمّا أشرقت في قلبك أنوار وجوده وأنه الحقّ ، وكلّ ما سواه محتاج إليه في الوجود ، وكلٌّ من ظهور ذاته ، فيجب لك بذلك إدراك أنه عالم ، وذلك لما تراه من الإحكام والترتيب وملاحظة الدقائق ورعاية المصالح ، كما هو مشاهد في كلّيّات العالم ، وكما تعلمه إذا أطّلعت على علم تشريح الحيوان والنبات والأرض ممّا يطول بسطه ، وفي ترتيب المسبّبات على أسبابها ، فأعطِ كلّ شيء حقّه ، وأنزله منزلته ، إذا نقص السبب نقص المسبّب ، وإذا كمل كمل ، وإذا زال زال ، فلا يليق بك مع شهود هذا الإحكام أن تنكر علمه . وأيضاً هلا تبيّن لك فيما سبق : أنّ مظاهر الممكنات طلسم ذاته وصفاته ، ألا إنّ العلوم من الممكنات الظاهرة ، فهي طِلَسْم لعلمه الحقيقي ، فعلمك طِلَسْم ، وعلمه باطنه ، فهو العالم ، وعلمك على ذلك شهيد ، والعالم بغيره أولى أن يعلم ذاته . وأيضاً لما كان الحقّ هو الوجود من كلّ جهة ، والجهل عدم محض ، فيستحيل عليه الجهل ، ويجب له العلم ، فهو العالم بذاته لذاته وكل ما نشأ عن ذاته .